أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني
216
العمدة في صناعة الشعر ونقده
فائقة ، وأختمه بخاتمة تكسوه / حلّة رائقة ؛ لأوفّى بذلك بعض ما ضمنت ، وأقضى به حقّ ما شرطت ، إن شاء اللّه . فمن ذلك قوله بتاهرت « 1 » سنة خمس وأربعمائة يتشوق « 2 » أهله « 3 » : [ الطويل ] ولي كبد مكلومة بفراقكم * أطامنها صبرا على ما أجنّت « 4 » تمنّتكم شوقا إليكم وصبوة * عسى اللّه أن يدنى لها ما تمنّت « 5 » وعين جفاها النوم واعتادها البكا * إذا عنّ ذكر القيروان استهلّت فلو أن أعرابيا تذكر نجدا ، فحنّ به إلى الوطن ، أو تشوق « 6 » فيه بعض السكن ، ما حسبته يزيد على ما أتى به المولّد الحضرىّ المتأخر العصر ، وما أنحطّ بهذا التمييز في هواي ، ولا أتنفق بهذا القول عند مولاي ، ولا الخديعة مما تظن به ولا بي فيه « 7 » ، ولكن رأيت وجه الحق فعرفته ، والحق لا يتلثم ، وما هو في بلاغته وإيجازه إلا كما قال الأحيمر السعدي « 8 » في وصيته « 9 » :
--> ( 1 ) تاهرت : اسم لمدينتين متقابلتين بأقصى المغرب ، يقال لإحداهما : تاهرت القديمة ، وللأخرى : تاهرت المحدثة ، بينهما وبين المسيلة ست مراحل ، وهي بين تلمسان وقلعة بنى حماد ، وهي كثيرة الأنداء والضباب والأمطار [ انظر معجم البلدان ] ( 2 ) في المطبوعتين والمغربيتين : « يتشوق إلى أهله » . ( 3 ) لم أعثر على الأبيات فيما تحت يدي من المصادر . ( 4 ) في ف والمغربيتين : « لفراقكم » ، وفي المطبوعتين : « من فراقكم » . ( 5 ) في ف : « تمنيتكم » ، وهو صحيح أيضا ، وفيه : « عسى أن يبدي » وبإسقاط لفظ الجلالة . ( 6 ) في ف : « أو تشوق به بعض . . . » ، وفي المطبوعتين : « أو تشوق فيه إلى بعض . . . » . ( 7 ) في ف والمطبوعتين : « . . . مما تظن به ولا فيه » ، وما في ص يوافق المغربيتين . ( 8 ) هو الأحيمر بن فلان بن الحارث بن يزيد السعدي ، كان لصا كثير الجنايات ، فخلعه قومه ، وخاف السلطان ، فخرج في الفلوات ، وقفار الأرض ، وعاش مع الحيوانات . فأنست إليه ، ولم تهرب منه . الشعر والشعراء 2 / 787 ، والبيان والتبيين 3 / 200 هامش ، والمؤتلف والمختلف 43 ، وسمط اللآلي 1 / 195 ( 9 ) لم أعثر على الأبيات فيما تحت يدي من مصادر .